الغزالي
84
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
الباب الثاني في سياسة الوزارة وسيرة الوزراء اعلم أن السلطان يرتفع ذكره ويعلو قدره بالوزير إذا كان صالحا كافيا عادلا ؛ لأنه لا يمكن لأحد من الملوك أن يصرف زمانه ويدبر سلطانه بغير وزير . ومن انفرد برأيه زلّ من غير شك ؛ ألا ترى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم مع جلالة قدره وعظم درجته وفصاحته أمره اللّه تعالى بالمشاورة لأصحابه العقلاء العلماء فقال عزّ من قائل : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آل عمران : 159 ] . وأخبر في موضع آخر عن موسى عليه السلام : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [ طه : 29 - 32 ] . وإذا لم يستغن الأنبياء - عليهم السلام - عن الوزراء واحتاجوا إليهم كان غيرهم من الناس أحوج . سئل أزدشير بن بابك : أي الأصحاب أصلح للملك ؟ فقال : الوزير العاقل المتقن الأمين الصالح التدبير ، ليدبر معه أمره ويشير إليه بما في نفسه . وعلى السلطان أن يعامل الوزير بثلاثة أشياء : أحدها : إذا ظهرت منه زلّة أو وجدت منه هفوة لا يعاجله بالعقوبة . الثاني : إذا استغنى في خدمته وأينع ظله في دولته لا يطمع في ماله وثروته . الثالث : إذا سأله حاجة لا يتوقف في قضاء حاجته . وينبغي أن لا يمنعه من ثلاثة أشياء وهي : متى أحب أن يراه لا يمنعه من رؤيته ، وأن لا يسمع في حقه كلام مفسد ، ولا يكتم عنه شيئا من سرّه ؛ لأن الوزير الصالح حافظ سر السلطان ، ومدبر أحوال المملكة ، وعمارة الولايات والخزائن ، وزينة المملكة ، وشدّة الهيبة والقدرة ؛ وله الكلام على الأعمال واستماع الأجوبة ، وبه يكون سرور الملك وقمع أعدائه . وهو أحق الناس بالاستماع له وتفخيم القدر ، وتعظيم الأمر . وقال لقمان لابنه : أكرم وزيرك ، لأنه إذا رآك على أمر لا يجوز أن يوافقك عليه . وينبغي للوزير أن يكون مائلا في الأمور إلى الخير ، متوقيا من الشر ؛ وإذا كان سلطانه حسن الاعتقاد ، مشفقا على العباد ، كان له عونا على ذلك وأمره بالازدياد ؛ وإذا كان سلطانه ذا حنق أو كان غير ذي سياسة ، كان على الوزير أن يرشده قليلا قليلا بألطف وجه ، ويهديه إلى الطريق المحمودة .